السيد علي عاشور

129

موسوعة أهل البيت ( ع )

وقال ابن عمر للحسين : لا تخرج فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم خيّره اللّه بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة ، وإنك بضعة منه ولا تعاطها - يعني الدنيا - فاعتنقه وبكى ، وودعه . فكان ابن عمر يقول : غلبنا الحسين بن علي بالخروج ولعمري لقد رأى في أبيه وأخيه عبرة ، ورأى من الفتنة وخذلان الناس لهم ما كان ينبغي له أن لا يتحرك ما عاش ، وأن يدخل في صالح ما دخل فيه الناس ، فإن الجماعة خير . وقال له ابن عباس : أين تريد يا ابن فاطمة ؟ قال : العراق وشيعتي . فقال : إني لكاره لوجهك هذا ، تخرج إلى قوم قتلوا أباك وطعنوا أخاك ؟ حتى تركهم سخطة وملّة لهم . أذكرك اللّه أن تغرر بنفسك . وقال أبو سعيد الخدري : غلبني الحسين بن علي على الخروج ، وقد قلت له : اتّق اللّه في نفسك . والزم بيتك فلا تخرج على إمامك . وقال أبو واقد الليثي : بلغني خروج حسين فأدركته بملل « 1 » فناشدته اللّه أن لا يخرج ، فإنه يخرج في غير وجه خروج ، إنما يقتل نفسه ، فقال : لا أرجع . وقال جابر بن عبد اللّه : كلّمت حسينا فقلت : إتّق اللّه ولا تضرب الناس بعضهم ببعض ، فو اللّه ما حمدتم ما صنعتم ، فعصاني . وقال سعيد بن المسيب : لو أن حسينا لم يخرج لكان خيرا له . وقال أبو سلمة بن عبد الرّحمن : قد كان ينبغي للحسين أن يعرف أهل العراق ولا يخرج إليهم ، ولكن شجعه على ذلك ابن الزبير . وكتب إليه المسور بن مخرمة : إيّاك أن تغترّ بكتب أهل العراق ، ويقول لك ابن الزبير : الحق بهم فإنهم ناصروك ، إياك أن تبرح الحرم فإنهم إن كانت لهم بك حاجة فسيضربون آباط الإبل حتى يوافوك فتخرج في قوة وعدة ، فجزاه خيرا ، وقال : أستخير اللّه في ذلك . وكتبت إليه عمرة بنت عبد الرّحمن تعظّم عليه ما يريد أن يصنع ، وتأمره بالطاعة ولزوم الجماعة ، وتخبره انه إنما يساق إلى مصرعه وتقول : أشهد لحدثتني عائشة أنها سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يقول : « يقتل حسين بأرض بابل » فلما قرأ كتابها قال : فلا بد لي إذا من مصرعي ومضى « 2 » . وأتاه أبو بكر بن عبد الرّحمن بن الحارث بن هشام ، فقال : يا ابن عم إن الترحم نظارتي عليك وما أدري كيف أنا عندك في النصيحة لك ؟ قال : يا أبا بكر ما أنت ممن يستغش ولايتّهم فقل .

--> ( 1 ) ملل : موضع في طريق مكة بين الحرمين ، وهو منزل على طريق المدينة إلى مكة على ثمانية وعشرين ميلا من المدينة ( ياقوت ) . ( 2 ) بغية الطلب : 6 / 2609 .